الملك يفتتح الدورة غير العادية لمجلس الأمة السابع عشر (نص الخطاب)

وفيما يلي نص الخطاب:

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا محمد، النبي العربي الهاشمي الأمين،

حضرات الأعيان،

حضرات النواب،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد،

باسم الله وعلى بركة الله، نفتتح الدورة الأولى لمجلس الأمة السابع عشر،الذي نريده محطة على طريق التحول الديموقراطي والإصلاح الشامل، الذي كان نهجنا منذاليوم الأول لتحملنا أمانة المسؤولية الدستورية. وقد عملنا، وسنواصل العمل بعزم لايلين، لترسيخ مكانة الأمة مصدراً للسلطات وشريكاً في صناعة القرار، منطلقين بذلك منالتزامنا الدائم بمصالح شعبنا الأبي. وهذا يترجم من خلال مسؤولياتكم التاريخية كنوابوأعيان للأمة في تمثيل جميع الأردنيين والأردنيات، وفي الامتثال لمساءلة المواطنيـنلكم، وفي أداء أمانة الرقابة والتشريع، وفي إنجاح مرحلة التحول التاريخية، وإفراز الحكوماتالبرلمانية وتطوير ممارستها، وسنمضي معاً في حمل أمانة هذه المسؤوليات، بالاستناد إلىالمبادئ الراسخة في إرث مؤسساتنا الوطنية، الذي تجاوز عمره التسعين عاما، منطلقين بثقةنحو محطة التجديد والنهضة الوطنية الشاملة.

منذ أكثر من عام، تُرجـمت على أرض الواقع، مجموعة من الإصلاحات التي تعززالنهج الديموقراطي، وتمكن الشعب من خلال ممثليه، من ترسيخ دوره الفاعل في صناعة القراروالرقابة والمساءلة، وتعزز دور مجلس النواب، كركن أساسي في نظام الحكـم النيابي الملكيالوراثي، المستند للدستور.

وقد أنجز الأردن التعديلات الدستورية، التي رسخت مبدأ الفصل والتوازنبين السلطات، ومنعت تغول إحداها على الأخرى، وعززت استقلال القضاء، واحترام حقوق الإنسان،ومبادئ العدالة والمساواة، ورسخت مكانة مجلس النواب في الرقابة والتشريع، واستحدثتمجموعة من المؤسسات الدستورية والرقابية، التي تعزز ديمقراطيتنا، ومن أبرزها: إنشاءالمحكمة الدستورية، التي تختص بالرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة، وتحديثحزمة من التشريعات السياسية، والتي شملت قوانين الأحزاب والانتخاب، والاجتماعات العامة،لزيادة المشاركة السياسية والارتقاء بنوعيتها، وتجذير الممارسة الحزبية وحرية التعبير،بالإضافة إلى إنشاء الـهيئة المستقلة للانتخاب، كجهة مستقلة تضمن نزاهة وشفافية الانتخابات،وقد حققت نجاحا غير مسبوق، في الإشراف على الانتخابات النيابية الأخيرة، التي أفرزتمجلسكم الكريم، بشهادة المراقبين محليا ودوليا.

وفي الوقت الذي نمر به في مرحلة انتقالية حاسمة، تستدعي تطوير نهج عملالحكومات والمجالس النيابية، لا بد من التأكيد على جملة من المبادئ والأولويات الوطنية،التي وصلنا إليها من خلال متابعة أداء الحكومات السابقة، والتواصل مع أركان الدولةوسائر فئات المجتمع، لتكون مرجعية لمجلس الأمة والحكومة البرلمانية القادمة.

حضرات الأعيان،

حضرات النواب،

بعد أن أجرينا الانتخابات النيابية بنزاهة وشفافية، ووفق أفضل الممارساتالعالمية، فإننا ندعو لنهج عمل جديد، وسنبدأ من نهج التشاور مع مجلس النواب والكتلالنيابية فور تشكيلها، في تشكيل الحكومات من أجل الوصول إلى توافق يقود إلى تكليف رئيسللوزراء، ويبادر هو بدوره للتشاور مع الكتل النيابية، ومع القوى السياسية الأخرى حولفريقه الوزاري، ثم يتقدم للحصول على الثقة من مجلس النواب، على البيان الوزاري الناجمعن عملية التشاور، وعلى أساس برامجي لمدة أربع سنوات.

وستكون عملية الـمشاورات وتشكيل الحكومات سريعة وسهلة، إذا توفر ائتلافكتل يحظى بالأغلبية، ولكنها ستأخذ وقتاً وجهداً أكثر، في حال عدم بروز ائتلاف أغلبية،وهذا من أساسيات الديموقراطية البرلمانية.

وأؤكد هنا، أن تطور آلية التشاور يعتمد على تقدم العمل الحزبي والبرلماني،الذي يؤدي إلى ظهور ائتلاف برلماني على أسس حزبية، يتمتع بالأغلبية وتنبثق عنه الحكومة،ويقابله ائتلاف برلماني معارض يمارس الدور الرقابي، كحكومة ظل.

إن هذا الدور يرتب عليكم مسؤولية كبيرة في أن يكون مجلس الأمة حاضنة للحوارالوطني، بحيث يتواصل مع المجتمعات المحلية والقوى السياسية بنقاشات موسعة، تضمن إيصالآراء الجميع وتضمينها في عملية صناعة القرار، ليستقر في يقين كل مواطن بأن مشاركتهالسياسية منتجة.

إن دور مجلس النواب في الحكومات البرلمانية، يتطلب منه الإسراع في تطويرنظامه الداخلي، لمأسسة عمل الكتل النيابية، ودعم فعالية المجلس، كما ينبغي للمجلس تطويرمدونة سلوك ملزمة، يتعهد النواب من خلالها بممارسات نيابية إيجابية، تعزز دورهم التشريعيوالرقابي، وتجعل أساس علاقتهم بالحكومة التنافس على خدمة الصالح العام، وليس المكاسبالشخصية المحدودة، ونبذ الواسطة والمحسوبية.

لقد أجريت الانتخابات على أساس قانون انتخاب جديد لم يكن مثاليا، ولكنهحظي بالتوافق الوطني المتاح. وعليه، ندعو لمراجعة هذا القانون بناء على تقييم تجربتكم،ومراجعة نظام الانتخاب، بحيث يحظى بالتوافق، ويعزز عدالة التمثيل، ويمكن الأحزاب منالتنافس بعدالة، ويرسخ تجربة الحكومات البرلمانية، ويحمي مبدأ التعددية، ويتطور بالتوازيمع تطور الحياة الحزبية.

كما نريد الوصول إلى استقرار نيابي وحكومي، يتيح العمل في مناخ إيجابيلأربع سنوات كاملة، طالما ظلت الحكومة تحظى بثقة مجلس النواب، وطالما حافظ المجلس علىثقة الشعب.

حضرات الأعيان،

حضرات النواب،

إننا ندعو لنهج عمل حكومي جديد يقوم على بناء الاستراتيجيات والخطط التنفيذية،بالتشاور مع القواعد صعوداً إلى الأعلى. وعلى الحكومة أن تتوخى الشفافية والانفتاح،وتوفير المعلومة في عرض موازناتها ومشاريعها ومراحل التنفيذ والإنجاز على المواطنينوممثليهم، ويتم الحكم على أداء الحكومة ومساءلتها على أساسها. وهذا يستدعي ترسيخ القناعةلدى الحكومة وأجهزتها، بأن تطوير القطاع العام عبر العمل الميداني، والتواصـل المباشروالـوقوف على حاجات المواطنين، هي مسؤوليتهم الأولى. وبخلاف ذلك، فإن مجلس النواب سيكونعرضة للمساءلة من المواطنين، للمطالبة بحجب الثقة عن الحكومة أو أحد الوزراء.

وهذا يتطلب الارتقاء المستمر في كفاءة ونوعية الخدمات الحكومية، وضمانوصولها إلى جميع المواطنين، ويستدعي الالتزام بمؤسسية العمل في أجهزة الحكومة، لضمانأعلى درجات الكفاءة والشفافية في اختيار الأمناء والمدراء العامين، لضمان نجاح الـخططالحكومية. وهذا يعني أن تبادر الحكومة لإطلاق ثورة بيضاء، تنهض بالأداء ضمن خطة معـلنة،وأهداف محددة.

حضرات الأعيان،

حضرات النواب،

لقد تميز النهج الاقتصادي الاجتماعي للدولة الأردنية، على مدار تسعينعاماً، بالمرونة والتطور المستمر، معتمدا على الشراكة والتكامل بين القطاعين العاموالخاص ومؤسسات المجتمع المدني. ولهذا ينبغي أن يكون القطاع العام الـمحفز والـمنظموالمراقب، الذي يحمي الـمواطن والمستهلك، ويكفل تقديم الـخدمات الأساسية النوعية، ويحفزبيئة الأعمال. ويكون القطاع الخاص المبادر الرئيس في الاستثمار وإيجاد فرص العمل، وتكونمؤسسات المجتمع المدني والتعاونيات المحلية حاضنة للريادة، والعمل التطوعي. وبهذا المزيجالقائم على عمل تكاملي، ومسؤوليات متبادلة ومتوازنة بين القطاعات الثلاثة، نتجاوز تحدياتناالاقتصادية والاجتماعية.

ونؤكد هنا، أهمية عمل الحكومات على تنمية المحافظات، بالشراكة مع القطاعالخاص ومؤسسات المجتمع المدني، لتحفيز طاقات المجتمعات المحلية، من خلال استكمال مشروعاللامركزية، الذي يكمل مسيرتنا الديمقراطية ويطورها، ويرتقي بآليات اتخاذ القرار، ويضمنأعلى درجات المشاركة الشعبية في صناعة القرارات المحلية، ويقود إلى توزيع أكثر عدالةلمكتسبات التنمية، وسيقوم صندوق تنمية المحافظات بدور مساند في تنفيذ هذه التوجهات.

حضرات الأعيان،

حضرات النواب،

هناك ضرورة لإجراء التعديلات اللازمة على التشـريعات التي تأثرت بالتعديلاتالدستورية، لضمان توافقها مع الدستور. كما أشير هنا إلى مجموعة من التشريعات، التيتحتاج منكم إلى التعاون في إنجازها، بشكل يستجيب إلى طموحات المواطنين، وأهمها: مشاريعقوانين الكسب غير المشروع، والتقاعد المدني، وضريبة الدخل، وقانون المالكين والمستأجرين،بما يحقق العدالة بين الطرفين، وحماية المستهلك، والاستثمار والشراكة بين القطاعينالعام والخاص، والعمل والضمان الاجتماعي.

حضرات الأعيان،

حضرات النواب،

إن الأردن قادر، بإذن الله، على مواجهة أي تحديات خارجية، وهذا يتطلبالالتزام الدائم بدعم قواتنا المسلحة، وجميع أجهزتنا الأمنية، وتمتين جبهتنا الداخلية،فهي مصدر قوتنا. وبالتوازي مع ذلك، فإن علينا أن نحرص على ترسيخ دورنا الإقليمي والعالميالفاعل، والقائم على سياسة خارجية مبنية على دعم أشقائنا الفلسطينيين، لاستعادة حقوقهمالتاريخية والشرعية، وإقامة دولتهم المنشودة على التراب الوطني الفلسطيني، ودعم العملالعربي المشترك، والدفاع عن الصورة الحقيقية لديننا الإسلامي الحنيف، دين الاعتدالوالوسطية.

حضرات الأعيان،

حضرات النواب،

إن ما عرضناه من رؤى وخارطة عمل، هي متطلبات التحول الديموقراطي، وهيقواعد لنهج إصلاحي، تتكامل فيه أدوار الـمجلس النيابي والحكومات البرلمانية، والمواطنيـن،تحت مظلة الدستور الجامع، يساندها القضاء العادل، والذي نجدد الالتزام بدعمه وتوفيرجميع متطلبات صون استقلاله، ويكملها أيضاً الإعلام المهني المسؤول، الـمتوازن في كشفالحقيقة والدفاع عن حرية التعبير، واحترام حقوق الأفراد، عاقدين العزم على الاستمرارفي الإصلاح والتحديث.

وأسأل المولى عز وجل أن يوفقنا جميعاً لما فيه خير الوطن والمواطن، علىطريق البناء والديموقراطية والنهضة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 



الرجوع للاعلى