رد مجلس النواب على خطاب العرش السامي "شهر شباط 2013"

بسم الله الرحمن الرحيم


والصلاة والسلام على رسوله الكريم، محمد النبي العربي الهاشمي الأمين
قال تعالى:
"رب اجعل هذا بلداً آمناً، وارزق أهله مِن الثمرات، مَنْ آمنَ منهمْ باللهِ واليومِ الآخر"
صدق الله العظيم
حضرة صاحب الجلالة الهاشمية، الملك عبدالله الثاني بن الحسين المعظم، حفظك الله ورعاك
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
يتشرف مجلس النواب السابع عشر، بأن يتقدم من مقام جلالتكم، بأجَلِّ معاني الاحترام والتقدير، شاكراً لجلالتكم، تفضلكم بافتتاح الدورة غير العادية، لمجلس الأمة، إيذاناً بانطلاق مرحلةٍ برلمانية جديدة، في سياق نهجنا البرلماني الأُردني العريق، وتتويجاً لإرادة شعبنا الحرة، وقد جسدتها الانتخابات النيابية الأخيرة، في إطار من الحرية والنزاهة.
إن مجلس النواب، وقد استمع لخطاب العرش السامي، يقدر عالياً رؤية جلالتكم الحكيمة الواضحة، للمضي قدماً على طريق الإصلاح الشامل، ويرى في ذلك، تأكيداً عملياً لطموح شعبكم العربي الأردني الأصيل، وتطلعه المستمر، لإرساء المزيد من أسس الديمقراطية الحقة، الكفيلة ببناء الأنموذج الأردني الأميز، المرتكز إلى قيم الحرية والعدالة، وسيادة الدستور والقانون، والمؤصل لمبادئ احترام الحقوق، والمساواة وتكافؤ الفرص، في ظل تعددية إيجابية تجمع ولا تفرق، وتهيئ الفرص رحبةً، لإطلاق الطاقات ومكامن الإبداع، وضمان شرف التنافس الحر، في خدمة الوطن، والارتقاء بحاضره ومستقبله، على حد سواء، وهي في مجموعها، قيم نبيلة، أكدتموها جلالتكم في خطابكم السامي، ثورة بيضاء ترسي أسساً متينة لنهج الإصلاح والديمقراطية، ثورة بيضاء يتطلع شعبنا الكريم، لأن تقودنا إلى مرحلة جديدة من البناء والإنجاز والتطور.
صاحب الجلالة،
إن مجلس النواب، وإذ يشاطر جلالتكم التفاؤل بالمستقبل، ليرى، أن الأردن قادر بعون الله، ثم بقيادة جلالتكم الحكيمة الملهمة، ووعي وإخلاص شعبنا الكريم، على مواجهة الصعاب والتحديات، وتحقيق المزيد من مبادرات الإصلاح والمنجزات، ولا شك في أن المجلس، عازم على تحمل مسؤولياته الدستورية كاملة، على هذا الصعيد، انسجاما مع تطلعات شعبنا المشروعة، ودعماً ومباركة لرؤى جلالتكم الصائبة، في ترسيخ مبدأ الأمة مصدراً للسلطات، وتعزيزاً لجهودكم في قيادة التحول الديمقراطي المستمر، والذي أرسيتموه جلالتكم، نهجاً متطوراً منذ تسلمكم سُدَّة العرش، فما تحقق من تعديلات دستورية، أمر يبعث على الفخر والاعتزاز، باعتباره مفصلاً مهماً في إطار مسيرة الإصلاح الشامل، وتأكيداً للتوازن والفصل والتكامل بين السلطات، ودعماً لمجلس النواب، ولدوره ومهامه الدستورية، وتمتيناً للبناء الدستوري والقانوني، في وطن حر كريم، يعتز باستحداث محكمة دستورية مستقلة بذاتها، تختص بتفسير نصوص الدستور، وتبسط رقابتها الدستورية، على القوانين والأنظمة كافة، وباستحداث هيئة مستقلة للانتخاب، تشرف على العملية الانتخابية، وتديرها في سائر مراحلها، ضماناً للنزاهة والحيادية، ولقد كانت الانتخابات النيابية الأخيرة، تجربة طيبة، وبشهادة المراقبين محلياً وإقليميا ودوليا، وهي تجربة تحفز مجلس النواب، للتطلع إلى دور أكثر فاعلية للهيئة، لتطوير آليات عملها، وتجديد وسائلها، بما يمكنها من اكتساب المزيد من الخبرة والمهارات، وبما يعزز دورها، في إجراء انتخابات تتماهى مع أرقى المعايير الدولية.
يا صاحب الجلالة،
وتأكيداً على ما تفضلتم به جلالتكم، في خطبة العرش السامي، فإن مجلس النواب، وانسجاماً مع حقيقة كونه ركناً أساسياً في نظام الحكم النيابي الملكي الوراثي، عاقد العزم بإذن الله، على أداء دوره كاملاً، والنهوض بمسؤولياته بأمانة وإخلاص، للإسهام في تعزيز ثقة المواطن بالسلطة التشريعية، وبمفاصل الدولة، ووضع حد فاصل لكل مظاهر الفساد والمحسوبية والواسطة والترهل الإداري، ولا شك في أن ذلك، يتطلب الكثير من العمل، فالمجلس يؤمن وبقوة، بدوره الفاعل والحاضن للإصلاح الشامل، المستند ابتداءً إلى مبدأ الحوار السلمي الموضوعي، والتواصل مع قوى المجتمع وهيئاته السياسية والأهلية، أفراداً وجماعات، وفي سائر الحقول والميادين، تأصيلاً لقيم المشاركة في الحوار، باعتباره الوسيلة المثلى، لبناء القناعات، والإسهام في صنع القرار، وتأكيداً لحقيقة أن مشاركة الجميع مطلب وهدف نسعى لتحقيقه، وهي لا شكَّ ذات أثر كبير على سلامة النهج لنجاح المسيرة.
وفي ضوء تقييم مسيرة العمل، سيقوم المجلس، بمراجعة قانوني الانتخاب والأحزاب، واضعاً نصب عينيه، ضمان حق المشاركة للجميع، أحزاباً وأفراداً، وعلى نحوٍ يكفل عدالة التمثيل، ويصون أمن الوطن واستقراره، ويحظى بالتوافق الوطني، على طريق ترسيخ نهج الحكومات البرلمانية، المنبثقة عن انتخابات نيابية حرة ونزيهة، يتنافس فيها الجميع، وفق إرادتهم، وبرامجهم ورؤاهم الحرة، وصولاً إلى حالة يمكن معها بإذن الله، وجود أحزاب تتمتع بأغلبية برلمانية، تنبثق عنها حكومات تتزامن فترة ولايتها، مع فترة ولاية مجلس النواب، لأربع سنوات وفق المبدأ الدستوري.
وفي الإطار ذاته، يبارك مجلس النواب، دعوة جلالتكم لإجراء التعديلات اللازمة، على جميع التشريعات التي تأثرت بالتعديلات الدستورية، كي تتواءم معها، ولتكون بحق، محطة مضيئة في مسيرتنا الإصلاحية، وسيعمل مجلس النواب كذلك، وبكل العناية والاهتمام، على إصلاح منظومة القوانين التي تُلبي طموحات شعبنا الكريم، ومنها قانون منع الكسب غير المشروع، والذي يعطي لأجهزة الدولة الرقابية، الحق بالحصول على إجابات واضحة عن مصدر الثروة، أو الزيادة التي طرأت عليها، وهو القانون الذي كان مجلس النواب السادس عشر، قرر الطلب إلى الحكومة تقديمه إليه، هذا فضلاً عن قوانين ضريبة الدخل، والتقاعد المدني، وحماية المستهلك والاستثمار، والشراكة بين القطاعين العام والخاص، والضمان الاجتماعي، والمالكين والمستأجرين، وسوى ذلك من التشريعات، وبما يحقق العدالة بين الجميع، ويعطي كل ذي حق حقه.
وانسجاماً مع هذا التوجه، يدرك مجلس النواب، بأن دوره في التأسيس لبناء حكومات برلمانية، يتطلب منه، تطوير أساليب وآليات عمله، وبأقصى درجات السرعة والدقة، ومن ذلك، تعديل نظامه الداخلي، بما يواكب المستجدات، وبما يعزز دور لجانه الدائمة، وكتله النيابية، وليتوافق ذلك وأحكام الدستور، فضلاً عن إعداد مدونة سلوك لأعضائه، يلتزمون من خلالها، بعمل نيابي جاد ومثمر، وفي السياق ذاته، واستجابة لرؤية جلالتكم، إزاء تطوير عمل المجلس، ومشاركته في إفراز الحكومات البرلمانية، عبر التشاور مع كتله وأعضائه، فإن مجلس النواب، يواصل المساعي، لإيجاد تحالفات وائتلافات برلمانية راسخة، تسهم موضوعياً في إرساء أسس الديمقراطية المتجذرة.
يا صاحب الجلالة،
يدعم مجلس النواب وبقوة، رؤية جلالتكم السديدة، والداعية إلى تطوير نهج الحكومات، في أداء مهامها، وهو نهج لا بد وأن يستند إلى خطط واستراتيجيات محكمة، لا مجال فيها للعشوائية والاجتهادات غير المدروسة، وبصورة تستجيب عملياً، لمصالح الوطن والمواطن، وتؤمن بأن العمل الميداني المباشر، والتواصل المستمر مع شرائح المواطنين كافة، وفي أماكن عملهم وسكناهم، متطلب أساسي يعزز ثقة المواطن بالمسؤول، مثلما يحقق الغاية الأساسية في تطوير مستوى الخدمة التي يحتاجها الوطن والمواطن، على حد سواء، ولا شك في أن مجلس النواب، لن يتوانى أبداً، عن القيام بدوره الدستوري على هذا الصعيد، وعبر السؤال والاستجواب والمناقشة والمحاسبة، وصولاً إلى ممارسة دوره في طرح الثقة بالحكومة، أو أي من وزرائها، إذا ما بدا أي انحراف عن جادة الصواب، أو نكوصٍ عن القيام بالواجب، فلا بد من أن تصل الخدمات إلى مستحقيها كافة، وضمن أفضل المستويات والمواصفات، وهذا يتطلب بالضرورة، وجود قيادات إدارية كفؤة ومؤهلة، من المديرين والأمناء العامين، وسواهم من مستويات المسؤولية، لضمان نجاح برامج الحكومة وخططها، وخلال مدد زمنية محددة، ويقيناً، فإن ذلك يستدعي، إصلاحات إدارية حقيقية، وفي جميع مفاصل الدولة ومؤسساتها.
يا صاحب الجلالة،
يشارك مجلس النواب جلالتكم، رؤيتكم الحكيمة حول المشاركة الفاعلة، وتكامل الأدوار بين القطاعين العام والخاص، ومؤسسات المجتمع المدني، ويرى المجلس، أن ذلك من مقومات نجاح نهجنا الاقتصادي، الذي تميّز كما وصفتموه جلالتكم، (بالمرونة والتطور)، فعلى القطاع العام ممارسة مسؤولياته في حماية المواطن، وضمان تقديم أفضل الخدمات إليه، وتشجيع بيئة الأعمال، ولا بد للقطاع الخاص، من أن يكون مبادراً في جلب الاستثمارات وتوطينها، لخلق فرص عمل تسهم في تحسين نوعية حياة المواطنين، وكبح جماح غلاء الأسعار، وتكاليف المعيشة التي أرهقت كواهلهم، ومن الطبيعي أن تكون مؤسسات المجتمع، قوى فاعلة تسهم في تحقيق الإبداع والريادة في هذا المجال.
ومن المؤكد أن رؤية جلالتكم، حيال توزيع الأدوار وتكاملها، تضع الجميع أمام مسؤولياتهم، للعمل بروح الفريق الواحد، الأمر الذي يسهم في مواجهة التحديات، وتحويلها إلى فرص نجاح، وفي المجالين الاقتصادي والاجتماعي.
يثمّن مجلسنا عالياً، اهتمام جلالتكم الدؤوب، بحتمية إطلاق صندوق تنمية المحافظات، واستثمار طاقات المجتمعات المحلية، وتوجيه عمل الحكومة نحو تحقيق تنمية المحافظات، بالتعاون مع القطاع الخاص، ومؤسسات المجتمع المدني، وصولاً لاستكمال وإطلاق مشروع اللامركزية، بهدف تعزيز المشاركة الحقيقية للمواطنين، في اتخاذ القرارات المتعلقة بحياتهم ومستقبلهم، وبالطبع فإن من شأن ذلك، تطوير مسيرتنا الديمقراطية، وتحقيق توزيع أكثر عدالة لعوائد التنمية، وتجديد آليات اتخاذ القرار بصورة تهيئ الفرص للمشاركة الشعبية الواسعة في صناعة ذلك القرار.
يا صاحب الجلالة،
يؤمن مجلس النواب، بأن تعزيز وحدتنا الوطنية، وصلابة جبهتنا الداخلية، مسؤوليتنا جميعا، مسؤولين ومواطنين وعلى حد سواء، فالأردن القوي العزيز بوحدته الوطنية الراسخة، وبهمة شعبه الواحد، وحكمة قيادته المظفرة، هو مصدر قوة لأمته كافة، ولنا أن نعتز جميعاً، بهذه المعاني السامية، وهذه القيم الجليلة في مسيرتنا المباركة، أما قواتنا المسلحة الباسلة، درع الوطن وسياجه، وأجهزتنا الأمنية، العين الساهرة على أمن الوطن واستقراره، فلا بد من أن تلقى كل الدعم والإسناد والرعاية، تعزيزا لدورها الوطني، في النهوض بالواجب، نحو الوطن والمواطن.
ويؤمن مجلس النواب كذلك، بأن الإعلام الوطني المسؤول، القائم على المهنية والموضوعية بصدق ونزاهة، هو ضمانة لحرية التعبير، والدفاع عن الوطن ومؤسساته، وهذا يتطلب من الحكومة، إعادة بناء المؤسسات الإعلامية، على أسس جديدة، تكفل الوصول لإيجاد مؤسسات إعلامية وطنية، تمارس مهمة إعلام الوطن والدولة كمجموع، بكل مواطنيها ومؤسساتها وإنجازاتها، وسيكون مجلسنا، حصناً منيعاً لحماية الحريات الصحفية والإعلامية، وضامناً لحرية الرأي والتعبير، لجميع أبناء الوطن ومؤسساته، فنحن نؤمن بأننا والإعلام المهني الحر والمسؤول، حلفاء لا أضداداً، في تكاملية أدوارنا الرقابية، وإنجاح مسيرتنا الإصلاحية.
ويقدر المجلس جهود جلالتكم المستمرة، لدفع مسيرة الإصلاح إلى الأمام ليكون الأردن وطناً أنموذجاً في الديمقراطية والتعددية، وصون كرامة المواطن، وترسيخ قيم الحق والعدالة والمساواة.
صاحب الجلالة،
يرى مجلس النواب، ان توفير متطلبات النجاح للقضاء العادل النزيه، والذي يجسد حقيقة أن العدل أساس الملك، يتطلب إعادة هيكلة الجهاز القضائي، ورفده بالكفاءات القضائية، وسيعمل المجلس، على تعديل وتطوير مجموعة القوانين، الناظمة للسلطة القضائية، وبما يضمن أقصى درجات النزاهة والحيادية والاستقلالية لأحكامها.
صاحب الجلالة،
أما على صعيد القضية الفلسطينية، فإن مجلس النواب، يؤكد دعمه ومساندته لأشقائنا الفلسطينيين، لاستعادة حقوقهم التاريخية المشروعة، وإقامة دولتهم المستقلة على ترابهم الوطني، وعاصمتها القدس، ويتطلع المجلس، لأن تبقى هذه السياسة، أولوية في نهج عمل الحكومات، مقدراً دور جلالتكم في الدفاع عن عدالة القضية الفلسطينية، وعبر المحافل الإقليمية والدولية كافة، وتقديم العون والمساندة للشعب الشقيق، دعماً لصموده في وطنه، ويحيّي مجلس النواب كذلك، دور جلالتكم المخلص، في دعم مسيرة العمل العربي المشترك ومؤسساته، ونصرة قضايا الأمة، ودفاعكم عن سماحة ديننا الحنيف، دين الوسطية والاعتدال، مثلما يفخر المجلس، بحكمة وفعالية سياساتكم الخارجية، والتي تعزز دور الأردن ومكانته، وعلى المستويين الإقليمي والدولي.
وختاماً فإننا نبتهل إلى الله العلي القدير أن يحفظ وطننا آمنا مستقراً بقيادة جلالتكم الشجاعة، وأن يسدد على طريق الخير خطاكم، ويلهمكم السداد في القول، والرشاد في العمل، لنيل مرضاته سبحانه، وتحقيق ما فيه خير شعبكم ووطنكم وأمتكم، إنه نعم المولى ونعم النصير.
معاهدين الله، ثم معاهدين شعبنا الوفي، أن نكون عند مستوى طموحاته، بصدق العمل، ودقة الإنجاز، وحفظ كرامة المواطنين، والدفاع عن حقوقهم.
"وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون"، صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،



الرجوع للاعلى