طباعة
PDF

الوجه الحقيقي ل"الإخوان"

ثمة فجوة معرفية هائلة، تُحدث خللاً منهجياً فجّاً عند دراسة أو قراءة الحركات الإسلامية من قبل السياسيين والباحثين والمعنيين.

ويتبدّى ذلك بعزل هذه الحركات عن سياقاتها الاجتماعية-الاقتصادية والتاريخية، والتعامل معها وكأنّها "كائنات أيديولوجية" محضة نبتت في الفراغ!صحيح أنّ هنالك جانباً فكرياً وثقافياً في فهم هذه الحركات، لكنه هو أيضاً مشتبك مع الواقع الاجتماعي، يؤثر فيه ويتأثر به، وهو ما يفسّر مثلاً اقتراب حركات نحو الفكر المعتدل البراغماتي، وأخرى نحو التطرف الفكري والأيديولوجي.يمكن التقاط هذه الملاحظة بصورة واضحة في دراسة الخيارات الاقتصادية لجماعة الإخوان المسلمين في أغلب الدول العربية؛ إذ هي تعكس -في الوجه الآخر- هموم الطبقة الوسطى ومطالبها الاقتصادية والاجتماعية.

وقفت عند هذه القضية مع صديقي د. إبراهيم سيف في نتائج دراسة (أجريناها سوياً، وتصدر قريباً) عن الأجندة الاقتصادية للحركات الإسلامية. وأخذنا نموذج جماعة الإخوان المسلمين ومن يدور في فلكها الأيديولوجي حزبياً في العالم العربي (جماعتي الإخوان في الأردن ومصر، والنهضة في تونس، والعدالة في المغرب).في النتيجة؛ من الواضح أنّ رهانات هذه الحركات تقترب من مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي، أي القبول بالأسواق الحرة وقيم المنافسة الاقتصادية، لكن مع مراعاة الجانب الاجتماعي، على غرار بعض الاقتصادات الأوروبية.

ويبرز موضوع مكافحة الفساد في أجندة هذه الحركات بوضوح، إذ تعوّل على قدرتها على الحد منه وإقامة "حكم سياسي" نظيف، في توفير موارد هائلة للموازنة واستعادة أخرى استولى عليها متنفذون بعدما تزاوج رأس المال والسلطة في أغلب هذه الدول، كأراضي الدولة وبعض الأصول التي فوّضت بطريقة بخسة، أو تحصيل أموال الفاسدين وهي بمليارات الدولارات.

تهتم هذه الحركات، بوصفها جزءاً رئيساً من الطبقة الوسطى، في "إعادة هيكلة النفقات" في الموازنة، لإعطاء الأولوية للتعليم والصحة والخدمات وتطويرها، للاهتمام أكثر بالشريحة الاجتماعية الواسعة التي تواجه هذه الضغوط اليومية وتتأثر بها.في أغلب مفاصل البرنامج الاقتصادي للإخوان المسلمين نتلّمس مصالح الطبقة الوسطى وهمومها ومطالبها المختلفة، كالإصلاح الضريبي، وربط الشفافية والنزاهة ومكافحة الفساد بأهمية الإصلاح السياسي والديمقراطية بوصفها "عوامل وقائية" تساعد على الحكم الرشيد وتجفف منابع الفساد ومداخله.تموضع الإخوان في الطبقة الوسطى في كثير من الدول العربية نابع من الخلفية الاجتماعية والاقتصادية؛ فالجماعة تتكون غالباً من المعلمين والمهندسين والمحامين والأطباء وأساتذة الجامعات والطبقات المهنية المختلفة (الكمبيوتر، التجارة، القطاع الخاص).

فهم وإن كانوا كثيراً ما يحظون بتأييد الطبقة الفقيرة والمعدمة، فذلك لأنّهم الأقرب لها من الطبقة الحاكمة، ولعدم وجود تمثيل لتلك الطبقة ضمن الأطر الحزبية والسياسية.الوجه الحقيقي للإخوان أنّهم يمثّلون الطبقة الوسطى المحافظة في العالم العربي، التي تحاول الدمج ما بين قيمها الدينية وتمسّكها بالهوية من جهة، والتزامها والانخراط في العولمة والعالم المعاصر من جهة أخرى، وهي "وصفة" تمثّل مفتاحاً لدخول المستقبل والخروج من التوترات الفكرية والسياسية، التي أغرقت العالم العربي في العقود الماضية، وفقاً للدراسة القيمة للمفكر الأميركي (من أصول إيرانية) ولي نصر، في كتابه "قوى الثورة الصاعدة".

بالرغم من ضعف الخبرة الاقتصادية للإخوان في الدول العربية، إلاّ أنّ مواجهة حكوماتهم الجديدة للأزمة المالية ليست محكومة بالضرورة بالفشل، إذ إنّهم (تحديداً في شمال أفريقيا) سرعان ما طوّروا قراءتهم للأزمة ومفاتيح الحل، ويقتربون كثيراً في هذا البرنامج من الخيارات المفترضة والمتوقعة للطبقة الوسطى التي شكّلت عموداً فقرياً للثورات الديمقراطية العربية.

التعليقات (0)

أضف تعليق

تصغير | تكبير

busy

تنويـه

في حالة وجود أي بيانات خاطئة نرجو التكرم بتزويدنا بالتعديلات على الإيميل التالي: info@phenixcenter.org